الشيخ الطبرسي

50

تفسير جوامع الجامع

وعن مجاهد : كلُّ نبيٍّ أَبٌ لأُمَّتِهِ ( 1 ) ، ولذلكَ صَارَ المؤمنونَ إِخْوةً ؛ لأنَّ النبيَّ أَبُوهُم في الدِّينِ ، وأَزْواجَهُ أُمّهاتُهُم في تَحْريمِ النِّكاحِ ، كَمَا قَالَ : ( وَلاَ أَنْ تَنْكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً ) ( 2 ) وَلَسْنَ بأُمَّهات لَهُم علَى الحقيقةِ ، إذْ لَو كُنَّ كذلكَ لكانَتْ بَنَاتُهنَّ أَخَوات ، فكَانَ لاَ يَحِلُّ للمُؤْمنِ من التَزويجِ بِهِنَّ ( وَأُوْلُواْ الأرْحَامِ ) أي : ذَوُو الأَنْسَابِ ( بَعْضُهُمْ أوْلَى بِبَعْض ) في الميرَاثِ بحقِّ القَرابَةِ ، وَكَانَ المسلمُونَ في صَدْرِ الإِسلامِ يَتَوارثُونَ بالمؤاخَاةِ في الدِّين وبالهِجْرةِ ، فَصَارتْ هذه الآيةُ نَاسِخَةً للتَّوارثِ بالهِجْرةِ والمُؤاخَاةِ ( فِي كِتبِ اللهِ ) في اللَّوحِ المحفُوظِ ، أَو : في القُرآنِ ( مِنَ المُؤْمِنِينَ ) يجوزُ أَن يكُونَ بَيَاناً لأُولي الأَرحامِ ، أي : لأَقرباءِ منْ هؤلاءِ بَعضُهُم أَولى بأَن يَرِثَ بَعْضَاً من الأَجَانِب ، ويجوزُ أَن يكُونَ لابتداء الغَايةِ ، أي : أُولي الأَرحَامِ بحقِّ القَرابةِ أَوْلى بالميرَاثِ من المؤمنينَ بحَقِّ المؤاخَاةِ ، ومن المُهاجِرينَ بحقِّ الهِجْرةِ ( إلاَّ أَنْ تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً ) عَنَى بذلكَ وَصيَّةَ الرَّجلِ لإِخوانِهِ في الدِّينِ ، وَعَدَّي ( تَفْعلُوا ) ب‍ " إلى " لأنّه في مَعنى " تسدّوا " و " تزلَّوا " ، ( كَانَ ذلِكَ ) المشارُ إليهِ من نَسْخِ الميرَاثِ بالهِجْرةِ وردِّه إِلى أُولي الأَرحام مَكتُوباً في اللَّوح أو القُرآنِ أو التَّوراةِ . وَاذْكُرْ حين أَخذْنَا ( من النَّبِيِّينَ ) جَميعاً ( ميثَاقَهُم ) بتَبليغِ الرِّسالةِ والدُّعاءِ إلَى التَوحيدِ ( وَمِنْكَ ) خُصُوصَاً ( وَمِنْ نُّوح وَإبْرَاهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ) وإنَّما فَعلْنَا ذلكَ لِيسألَ اللهُ تعالى يَومَ القيامَةِ عند تَواقُفِ الأشهادِ المؤمنينَ الَّذين صَدَقُوا عَهْدَهُم فَيشْهَدَ الأنبياءُ لَهُم بأنَّهُم صَدَقُوا عَهْدَهُم وكانُوا مؤمنينَ ، أَو : ليسألَ الأنبياءَ ما الَّذي أَجَابتْهُم بِهِ أُمَمُهُمْ كقَولِهِ : ( ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُوني وَأُمِّيَ إلهَيْنِ ) ( 3 ) ،

--> ( 1 ) تفسير مجاهد : ص 546 . ( 2 ) الآية : 53 . ( 3 ) المائدة : 116 .